الشيخ محمد هادي معرفة

519

التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )

فيه والإنكار له ، وهذان الأمران من أمر التوحيد فما دونه وأرش الخدش فما فوقه ، فهذا المعروض الذي يُعرض عليه أمر الدين ، فما ثبت لك برهانه اصطفيته وما غمض عليه صوابه نفيته ( انتهى ) . « 1 » أقول : هذا قانون كلّي أعطانا عليه السلام فلنعرض الغناء اللغوي عليه ليعرف حاله ، فنقول : لاشكّ أنّ حرمته ليست من ضروريات الدين ، وإلّا لم يختلف فيه أحد ، لاسيّما فحول العلماء الذين حازوا قصب السبق في مضامير الأفكار ، وفازوا لوصل بنات معاني الأبكار ، وبلغوا في المعقول والمنقول درجة الاجتهاد ، وانتشر صيت فضلهم في الأقطار والأصقاع ، وهل يمكن لمن له أدنى تمييز وعقل دخل في زمرة المكلّفين أن يجوّز أن يكون أمر من ضروريات الدين مخفيّا على أمثال هؤلاء الأعلام المتبحّرين في جميع العلوم ومبيّنا لمن قرأ ألفيّة الشهيد وبرحا من المختصر النافع وشرائع الإسلام وإلّا فليجوّز غلبة الذباب على العقاب ، وليقبل دعوى الرجحان على المحيط من السراب ، فبقي أن يكون ما احتمل الشكّ والاحتمال ، فنطلب منكم الدليل على حرمته . أمّا الدليل النقلي فحاله ما ذكرناه وبيّناه لكم متعيّن عليكم أن تستدلّوا عليه بدليل عقلي ، وأكثركم يا معشر المنكرين مستنكفون على الدليل العقلي ومستهزئون لمن طالب شيئا به ، وهذا أيضا تهافت آخر ومعارضة أخرى مع اللّه ورسوله وخلفائه عليهم السلام ، وليس هذا الموضع مقام بيان فساده وقد رفع مؤونته عنّا صاحب الاحتجاج بتصنيفه هذا الكتاب لبيان بطلان هذا المسلك وأنشدكم باللّه هل تجد عقولكم محذورا في استماع صوت محزن مبكٍ حامل لكلمات مذكّرة للآخرة ونعيمها مبعدة عن ارتكاب الملذّات الحسّية الدنيّة ، بحيث إذا استمعه المغمور في الشهوات الدنيّة الخسيسة المسجون في سجن استدراك اللذّات الطبيعية البهيمية فانزعج من مقامه وانقلع من مكانه وتندّم ممّا كان عليه ، خائفا من شدّة وطئته وألم عذابه ، فتململ تململ السليم وبكى بكاء الحزين قائلًا : يا أسفي على ما فرّطت في جنب اللّه ، ظاهرا من صفحات وجهه وفلتات لسانه وكثرة التوبة

--> ( 1 ) - تحف العقول ، ص 300 مع اختزال وتلخيص .